الشيخ محمد هادي معرفة

85

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فقد جاءت تبعة تلك المسألة العظيمة موجّهة إلى بنيإسرائيل ، فكانوا هم الذين طلبوا من موسى عليه السلام أن يريهم اللّه جهرة ، فأحرجوه إلى أن يسأل ربّه فيما طلبوا . وأصرح منها قوله تعالى في سورة البقرة : « وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ، فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ » . « 1 » وهذا يؤكّد ما جاء في الرواية : إنّ الّذين سألوه هذا السؤال كانوا السبعين الذين اختارهم لميقاته تعالى فأخذتهم الرجفة لهيبة ما نزل بهم من صاعقة النكال ، فجعل بعضهم ينظر إلى بعض وهم يتهافتون على الأرض ، ثمّ بعثهم اللّه ، بعد التضرّع والتذلّل من موسى عليه السلام قال تعالى : « وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ، أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا » « 2 » أي بما فعل السّفهاء منّا من التجاسر على سؤال الرؤية . فإضافة ذلك إلى السفهاء تدلّ على أنّه كان بسببهم ومن أجلهم ، وإنّما سألوا ما لا يجوز عليه . « 3 » وأمّا قوله : « سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ » فإنّما هو تعليم لقومه كما في قوله تعالى : « وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ ، إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ » . « 4 » ومن ثمّ جاء في موضع آخر : « أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ . وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ » . « 5 » فكما إنّ السؤال كان عن قومه ، كانت التوبة - أيضا - استغفارا لقومه . وقد حمل بعضهم الرؤية في سؤال موسى عليه السلام على العلم الضروري الذي لا حاجة معه إلى إقامة برهان ، وهذا هو جواب أبي الهذيل العلاف المعتزلي ، واختاره وأيّده سيدنا الطباطبائي قدس سره . « 6 » لكن القاضي عبد الجبار ، وكذا الشريف المرتضى ، لم يرتضياه ، أمّا

--> ( 1 ) - البقرة 55 : 2 . ( 2 ) - الأعراف 155 : 7 . ( 3 ) - راجع في ذلك : أمالي الشريف المرتضى ، ج 2 ، ص 215 ، مجلس 70 ؛ ومتشابه القرآن ومختلفه لابن شهرآشوب ، ج 1 ، ص 96 ؛ وقصص الأنبياء للنجار ، ص 292 ؛ وشرح الأصول الخمسة ، ص 262 . ومتشابه القرآن للقاضي ، ج 1 ، ص 291 . ( 4 ) - يس 22 : 36 - 25 . ( 5 ) - الأعراف 155 : 7 - 156 . ( 6 ) - الميزان في تفسير القرآن ، ج 8 ، ص 252 .